
على ضفاف نهر الفرات نشأ والدي ، في مزرعة خضراء جميلة ، كلشي أخضر ، ماي النهر يجري مثل الحرير ، والكل يشتغل بالحقل ، ولما يجوع الواحد يمد إيده وياكل كوجة ، خوخ ، تفاح ، برتقال ، مشمش ، من اللي يشتهي كلب الواحد ، ولمن يجي وكت الغدا ، يشيل ركية ويروح على البيت ، طبعاً أجواء جميلة وشعور جداً جميل ، لكن بنفس الوقت ما ننكر إنه الشغل متعب وثقيل ، كذلك جانوا يرحون للمدرسة بالبلم ، وهذه في نظري مغامرة وفي نظرهم تعذيب خصوصاً أيام الشتا ، والماي يريد يطب للبلم ، المهيييم ، خلصت الإبتدائية ، وصار والدي العزيز لازم يترك الأرض والديرة ويتجه إلى بغداد ..
انكظت الأيام والسنون ، وخلص والدي الجامعة ، واشتغل ، ثم قرر إنه طموحه كبير - مو أقوللكم طالعة عليه - ، وما يوكف عند حد معلم ، لذلك طلع إلى خارج العراق ، اشتغل حتى يلم فلوس ويدرس ، وكانت هذه أولى جياته إلى الإمارات ، وكان ذلك قبل قيام الاتحاد ، بعدين راح لأوروبا درس ولف أوروبا ، كانت الدنيا مشتعلة بالوطن ، فقرر والدي إنه يرجع للإمارات بين ما تهدأ الأوضاع ، وهكذا اتجه للإمارات من جديد ، ثم اتصل بوالدته وطلب منها أن تخطب له ، وكان نصيب والدتي ، طبعاً في ذاك العصر الغابر - هسه ماما تكتلني - في ذاك العصر الحجري ما كان والدي يقدر يشوف والدتي على المسنجر ، ولا يحجي وياها ، ولا يدزلها مسجات على الموبايل ، ولا حتى يقدر يسوي مسكول ، بل إن الاتصال الوحيد الذي تم إجراؤه كان مليء بالضوضاء الستاتيكية ، وكانت الكلمات تأتي بصيغة ( أ ... ؤ .. ئ ) وبهذا تم إرسال والدتي إلى الإمارات ، وعلى قولتها حطولها طابع بريد على كصتها ودزوها خدمة مثل فيدكس وأرامكس.
.
.
بعد فترة شاء الله إنه أتنور الدنيا بمجيئي ، وهكذا ولدت ، وكما تلاحظون ولدت في بلاد الغربة ، وبدون لا جد ولا جدة ولا خال ولا عم ولا خالة ولا عمة ، محد شالني وكمز بية ، محد كال لوالدتي شنهالجمال اللي جبتيه للدنيا !
.
وهكذا نشأت في الدنيا ، واللي جانت مقصورة على بيتنا أو شقتنا الصغيرة جداً ، والتي تذكرتها بشدة عندما رأيت أول قن دجاج ، لا أنكر أن حياتي كانت سعيدة ، لأني تعلمت أطبخ وأنظف وأغسل وأكوي بألعابي ، وهو جهد أشكر عليه ، يعني أم بيت من صغري :)
.
المهم ، أصبح لدي خوات ، وكنت دائماً أسمع عن العراق ، والعراق ، وكمت أحبه بشكل جنوني ، أنام وأقعد أقول لوالدتي أريد أروح للعراق ، طبعاً عرفت - بطريق الصدفة - أن لي أقارب كثيرين ، وهناك ناس بعمري ، وكان في معرفة ذلك إثارة غير طبيعية ، واشتغلت مخيلتي ، أحلم كل يوم إني بالعراق ، وطبعاً بمساعدة بعض الصور القديمة من ألبوم والدتي ، تخيلت بيت جدي ، وتخيلت الأعمام والخوال والخالات والعمات وأهم شي الجد والجدة مثل اللي بالقصص والكارتون ، وفوق كل هذا كان عندنا بيت ، لا يشبه قن الدجاج بحال ، طبعاً هذا حسب كلامهم لأني ما شفته ، وكان هذا بيت الأحلام بالنسبة لي ، لأنه راح نكون كل وحدة بغرفة ، وراح يكون عدنا حوش ، وطرمة ، وراح نصير نقدر نشوف كل الكرايب في بيت جدو بلمتهم يوم الخميس .
.
خلال هاي السنوات ، حتى العيد - بمناسبة قرب العيد - حتى العيد ما جان عيد ، جنا نكظي الأسبوع ما قبل العيد نجهز هدايا لبعضنا البعض ، أعمال يدوية أو ورقية أو رسالة وصورة ملونة ( عبالك ما كاعدين في بيت واحد ) ، وبعدين يوم العيد نتبادل الهدايا ، ونلبس هدومنا ، ونكعد ، لا نعرف أحد يجينا ولا نروح على أحد ، وفوقاها حتى التلفزيون يوم العيد ما يطلع شي ، بس برامج تهاني وما أدري شنو ، وبالتالي تصير الدنيا ظهر ، نبدل ونرجع لحياتنا الطبيعية ، يمكن يمكن تسمح لنا والدتي نروح على الدكان - وهذه مغامرة عظيمة - ، ونشتري حلويات ونرجع ، وبهذا يكون انتهى العيد ، وكل عام وإنتو بخير !
.
وهكذا وبعد الكثير من الأحلام ، جاءت سنة ال 1990 ، واستعدت العائلة الكريمة للذهاب للعراق ، وآني جنت راح أكمز من الفرحة والسعادة والحبور وكل مرادفات السعادة في المعجم .
.
.
سافرنا للعراق ، الرحلة كانت بالسيارة عبر قطر - السعودية - الكويت وصولاً إلى العراق ، وكان اللقاء ، وطلع أكو كثير كثير كرايب بحيث دفتر معارفي ( الموجود في مخي ) المكون من كم صفحة بس ، لم يستطع استيعاب الكم الهائل للوجوه والصلات والكلمات والأماكن ، لكني كنت أسجل كل ما أراه واسمعه على أشرطة في مكتبة مصفطة في مخي ، فهذه الأشياء والأماكن والأشخاص مهمة في حياتي ، والكثير منها قد لا يتكرر ..
.
.
يعود والدي بالسيارة لوحده لسبب يخص الوزارة والجوازات والخروجات - مو تقولون داخلين لبلدنا - ، وعدنا نحن بالسيارة جي أم سي لونها برتقالي إلى عمان ، ومن هناك راح نركب طيارة ، ولما كان ماكو حجز فقد بقينا بفندق ، وأذكر أن والدتي أخذتنا ذات يوم - خلال الثلاثة أيام التي انتظرنا فيها الطائرة - إلى مكان أثري في الأدرن ، مدرج كبير جداً ، وأذكر المكان لأني أذكر الموقف ، حيث كنا نرتدي كلابيات مطرزة ، فطلب الكثير من الأجانب من والدتي أن تسمح لهم أن يتصورا معنا ، وكانت هي ترفض ، ووآني زعلانة ، لأن أريد يصوروني حتى أصير مشهورة ، عمري ست سنوات مو تضحكون عليه ! ، عبالي راح يحطوني على الصفحة الأولى من النييوزوييك!
.
.
وكانت هذه الطلعة الوحيدة في الأردن ، ومن شباك الفندق اللي كان ونستنا الوحيدة النظر من خلاله ومراقبة الرايح والجاي ، أذكر محل الآيس كريم ، وأذكر ملحتنا على والدتي حتى تشتريلنا منه ، جان عبالنا طعمه مثل آيسكريم العراق ، بس طلع ولا حتى ابن عمه !
.
عدنا للإمارات ، وكانت تلك سنتي الأولى في المدرسة ، والتي كنت أحلم أن تكون في العراق ، وصلت متأخرة على المدرسة ثلاثة أيام ، والدي كان مشتريلي جنطة وردي فوشيه ، ومحفظة أم الأسماك اللي تسبح بالماي ، طبعاً لأني الأولى اللي راح تروح للمدرسة ، ولذلك جانت أشيائي كشخة احم احم ..
.
رحت للمدرسة ، وطلعت المدرسة ما بيها ولا بنية عراقية ، لاحظوا إني هستوني جاية من العراق ، طبعاً أصبت بإحباط شديد ، وفوكاها لمن أحجي وياهم محد يفهمني لأ وكلهم يحجون مثل المسلسلات ، مصري وسوري ، وأكو لهجة غريبة عليه ، - المحلية - ما جنت سامعتها قبل ، وهكذا كانت أول أيام صعبة جداً جداً علي ..
.
بعد فترة تعودت على الوضع ، لكني أبداً ما عوجت لساني ، صحيح اضطريت أستبدل بعض الكلمات الجلفية بكلمات عربية فصحى ، لكنها الفصحى ، ولا بديل لها .وهكذا بدأت بعض محاورات الاتصال تحدث بين الثقافات !
.
.
صادقت بنية ما تحجي مما سهل مهمة الاتصال ! وطبعاً بما أنه خيالي واسع جنت احجيلها قصص وهيه تصغي مبهورة ، وكان عدنا بالمدرسة سياج عليه عصافير خشبية ، علمتها إنه نتخيل إنها حقيقية ونأكلها من أكلنا مالت الفسحة !
.
لحد يضحك رجاء ، ترا آني جنت جادة :)
مرت الأيام والشهور والسنوات .. في كل عام يمر ، يبتعد الحلم .. يبدو أني سأنهي دراستي هنا !!
.
عام 1994:
.
.
يأتي عام 1994 بعد طول شوق ، أخيراً سنذهب للعراق من جديد ، قبل هذا أريد أكلمكم عن الباربي (شمس) ، وهي باربي غالية ترا ، لأن رجليها تنطوي وشعرها ينغسل ويتمشط ، وقد كانت هدية من صديقتي العزيزة ، وكذلك الباربي اللي وياهة طاولة وكراسي وأدوات مائدة ، وأكل بلاستيكي ، وهذه أيضاً فدشي بذاك الزمن ، وقد اشترتها لي والدتي لأني حفظت جزء عم يمكن بوقتها ، المهم أن هذه الألعاب الغالية ستذهب للعراق للسبب التالي :
.
.
احنا راح نروح على العراق ، والسنة القادمة سوف نعود ، راح نعيش بالعراق ، فالسنة هاية ناخذ غراضنا اللي نخاف عليها ، ونخليها في بيتنا بالعراق ، وكذلك اشترينا أشياء للبيت ، وكلها راح نوديها ، لأننا السنة القادمة سنستقر في العراق ، وسيأتي وقت العودة الحميدة !!
.
.
عام 94 كان مليئاً بالأحداث ، ذهبنا إلى راوة ، والدير ، أعدنا تعرفنا على الجميع ، وتوطدت العلاقات أكثر ، لكني كنت أنظر بعين تقول : سأعود إن لم يكن غداً فبعد غد !!!
.
.
يأتي عام 1995 وينتهي ، وبعده أعوام وراء اعوام ..
.
.
كبرت ، وأصبح عمري 16 سنة ، 16 سنة وأنا على حلم أن أذهب للعراق وأعيش في العراق ، 16 سنة ، كنتم أنتم خلالها تلعبون في الدربونة ، وتروحون للمدرسة ، تتعلمون ، تشوفون ، تصادقون ناس ، تتنفسون هواء العراق ، وتلعبون على ترابه ، تعيشون بين كرابيكم وأهلكم ..

زين ، 16 راحت الله أعلم كم الباقي ، لكن يجب ان نذهب للعراق ، تأتي الزيارة التالية عام 2000 ، تتساءلون لم لم نزر العراق في فترات متقاربة أكثر ؟؟ أقول لكم إنها الظروف ، لأن عددنا أصبح كبيراً ، والسفر للعراق بلدنا كان يعتبر كالسفر إلى أمريكا الآن ، فالكثير من التصاريح والأوراق والتوقيعات والتوثيقات يجب الحصول عليها ، كما أنها كانت مكلفة ..
.
.
على العموم ، أذكر هذه الرحلة بكل دقيقة فيها ، أذكر انحشارنا في السيارة ، أذكر السيارة الساخنة جداً وقت الظهر في السعودية ، أذكر الجو الرائع في مدينة الزرقاء في الأردن بل والبارد ليلاً ، أذكر ولا أزال أشعر بخفقان قلوبنا ونحن نعد العد التنازلي للوصول إلى العراق ، أذكر حدود العراق ، والبهذلة التي تبهذلناها كعادة الدول العربية المحترمة !!
.
.
وقفنا كثيراً تحت الشمس والحر ، جاءت الكلاب لتصعد في السيارة للتفتيش، حتى ماء للشرب لا يوجد ، الموظفين يخلون بابا يروح ويرجع ميت مرة ، لكن كل شي يهون .. يهون ..
.
.
دخلنا العراق ، على الطريق الصحراوي ، كانت لفاليف الهواء تحمل التراب ، على شكل أعاصير صغيرة ، والأعاصير الحقيقة كانت في قلوبنا ، ثلاثة أيام في الطريق ، وكنا نعسانين مووووت ، لكن عيوننا ما قبلت تنطبك لحظات ، الكل متوتر وقاعدين نحصي الساعات .. الدقائق والثواني ..
.
.
وصلنا بغداد ، شوارع بغداد ، وقفنا على الترفكلايت ، اقترب منا ولد صغير : عمو ما تريدون ماي بارد ، باكيت كلينكس ؟؟
.
.
الله .. اللهجة العراقية !
.
.
ملامح عراقية ..
.
.
شوارع عراقية ..
.
.
هواء عراقي ..
.
.
كان شهر يوليو ومع ذلك فتحنا الشبابيك نستمتع بالهواء ..لفينا .. يمنة يسرة .. يسرة يمنة .. خالي واقف براس الشارع يأشر لنا ، ويدخل بيت جدو ، يكب الكل من البيت ، يطلعون يستقبلونا ، نحضن ونبوس وما نلحك ، آني خالج فلان ، وآني خالتج فلانة ، بالله عليكم شنو شعوري وكرايبي يعرفوني على نفسهم ؟؟؟؟؟؟
.
.
ما أعتقد تفهموني ..قعدت على أقرب كرسي ، وبجيت ..
.
.
تعللت بإني تعبانة من السفر ..
.
.
ركضت على الهول ..
.
.
مثل ما هوه قبل ست سنوات ..
.
.
الست سنوات هاية اللي شعرت بيها اختفت من خط حياتي ..
.
.
خط حياتي اللي امتد في تلك اللحظة بين نقطتين ( 94 و 2000 ) فقط .. هذين الشهرين هما كل حياتي !
.
.
الكرويتات نفسها ، نفس الأغلفة الجوزية الجميلة ، جدو على سريره الأخضر ، جدو تعبان وميقدر يتحرك ، جدو اللي تلاقانا سنة ال 94 بالباب ، دنكت عليه ، حضنته من كل قلبي وبسته ، جدو حبيبي ..
.
.
ركضت على بيبي ، ودموعي نهر من عيني ، بيبي يا عيني هم تعبانة وما تقدر تمشي ، بوستها وبقيت حاضنتها ، وهيه تكول بيه شعر ..وخرتني ماما حتى تحضن أمها ..
.
.
انداريت حولي ..
.
.
كل الناس كبروا ..
.
.
وضاعت عليه الحياة وأنا في انتظارها ..
.
.
الكثير من الأشكال التي لم أعرفها ولم أميزها ، وهم يسلمون عليه ويعرفوني بأنفسهم ، كم أكره الغربة .. أكرهها ..
.
.
انحرمت كل حياتي من وراها ..
.
.
اختنكت ..
.
.
طلعت على الحديقة ، نفس الحديقة ..
.
.
نفس المرجوحة ..
.
.
ركضت حول البيت ، صعدت فوك ، طلعت للشارع ، بالله مو مصدقة ..
.
.
وإلى الآن لا أصدق إني عشت تلك اللحظات ..
.
.
فتت للمطبخ ، شربت من ماي الترمز ، حتى الماي هنا طعمه غير ، الله ..
.
.
من تلك الزيارة أذكر الآن :- سوق الصفافير ، الشورجة ، شوارع بغداد ، بعض النصب والتذكارات ، التكاسي وباصات النقل الجماعي ، حديقة الملاهي اللي أجرنا باض حيل جبير حتى نروحلها ، الآيسكريم أو (الموطة ) العراقية من محل اعتقد اسمه الرواد ، محلات المنصور ، المخبز براس فرع بيت جدو ، الصمون العراقي ، الكهرباء اللي جانت تنكطع ساعتين كل 12 ساعة ، ولازم نصعد ماي قبل ما تنكطع ، المولدة وشلون نشغلها ، شطف الطرمة ، الكعدة بالحديقة بالليل ..
.
.
يمكن اللي دا أحجيه ما يمثل شي بالنسبة لكم ، لأنه يمثل حياتكم العادية اللي إنتو متعودين عليها وعايشيها ، لكنها بالنسبة لي ذكريات أقدسها .طبعاً لا تخلو السفرة من بهذلة ، حيث استصدرت جنسية وجواز وأوراق إلها أول ما إلها تالي ، بس جميل إنه الواحد يتعرف على النظام البيروقراطي في بلده والروتين المتبع ، طبعاً راس مالها خمسة آلاف لواحد من اللي يشتغلون وهوه فر واستصدر الجواز بيوم واحد !
.
.
والمهم الروحة لهاية الدوائر تكون مع بطل ماي صغير مجمد لكل واحد ، لزوم الحر والبهذلة.
.
.
خلصت ال 30 يوم اللي انطونا إياها في الحدود ، مو إلنا إنما للسيارة ، عبالك احنا راح ندز السيارة كبلنا ونلحكها مشي !!
.
.
طلعنا من الفرع نفسه اللي دخلنا منه قبل 30 يوم مرت كمر السحابة والله ..
.
.
ومن زجاج السيارة الخلفي المخطط ، ودعنا الأهل ، وودعنا كل شيء ، ولم نكن نعلم انها المرة الأخيرة التي نرى فيها تلك الأشياء والأشخاص والعالم والأرض والتراب والهواء .. كنا نبتعد ، والأشياء تصغر ، وتشوش - بفعل الدموع - وكلنا نحاول أن نشغل ذاكرتنا على أقصى سعة لها لتخزين كل ما تقع عليه عينينا ، وما يشمه أنفنا ، وما تسمعه آذاننا ..الصحراء من جديد ..لم نعد نستطيع التحمل ، كانت بعضنا تنشج في البكاء ، إي والله .. رغم إننا لم نعلم أنه كان وداعاً ، كنا نظنه فرقة بسيطة وبعدها لقاء ..لكن من جديد عادت الاعوام تمر دون أن نتمكن من الذهاب ..
.
.
بعد عامين توفي جدي - الله يرحمه - ، كنت أنتظر بفارغ الصبر أن أنهي دراستي لكي أذهب للعراق وأدرس الجامعة هناك ، وعندما أنهيت دراستي ، بكآبة شديدة لأن أهلي مترددين في مسألة إرسالي للعراق ، بدأ بوش - كأنه يستقصدني - بالتهديد بغزو العراق ، وهكذا تم تأجيل سفري ، وكلي أتحرق شوقاً وولعاً ، ثم قامت الحرب اللعينة .. نعم قامت رغم كل دعائنا وتضرعنا .. إذن لابد من حكمة ..
.
.
وهكذا قضي على حلمي الأخير بالذهاب للعراق ، بل على حلمي في دراسة الجامعة ، لكن شاء الله والحمد لله دخلت الجامعة هنا ، دخلتها وأنا حاقدة على العالم ، لتحطم حلمي .. لتحطيم العراق كله ..
.
.
بدأ بوش اللعين بقصف العراق ، وأنيرت سماء بغداد بنجوم الحقد والكراهية والغيرة من البلد ذي التاريخ الطويل والعريق ، جاءنا العدو حاملاً نفسه ومعداته عبر القارات والمحيطات متكبداً العناء من أجل أن يسود عيشتنا ! ويالها من مهمة نبيلة !!!!
.
.

راح العرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااق ..
.
.
راحت بغداد ..
.
.
راحت الشوارع ..
.
.
راحت المتاحف ..
.
.
راحت الحضارة ..
.
.
والأهم من هذا كله ..
.
.
راحوا البشر ..
.
.
خلصوا البشر ..
.
.
اطشروا البشر ..
.
.
فضى العراق ..
.
.
بعد ما بيه أحد ..
.
.
صار مثل بيت قديم بابه مصدي ومفتوح ..والريح تصفر بيه ..
.
.

العراق اللي جانوا الناس لما نقول لهم احنا من العراق ، وطبعاً ما كان أكو عراقيين في الإمارات ، بدليل إني تخرجت من المدرسة وآني العراقية الوحيدة ، جنا لما نقول احنا عراقيين ينظرون لنا بفخر وعزة ، وينظرون لنا على أننا عباقرة وأذكياء وخلوقين وأهل الشرف والأصل ..
.
.
حتى لو تحرر العراق الآن ..على الصعيد الشخصي .. ما راح أقدر أشوف الأشياء القديمة ، لان كلشي تغير ، ما راح أقدر اعيش اللي فات من عمري ، ما راح أقدر أرجع صغيرة .. أركض بالدربونة ، وألعب بالباربي مالتي ..
.
.
ما راح أقدر أروح مشي على المدرسة مع صديقاتي ، ما راح أقدر أقعد على (رحلة) ، ولا أكتب بطبشورة ، ما راح أقدر أعيش بمكان وين ما ألف راسي أسمع لهجة عراقية ، وأشوف ملامح عراقية ..
.
.
ما راح أقدر أرجع لسنوات الجامعة ، واعيش حياة جامعية انحرمت منها ، حياة طالب جامعي طبيعي ، يدرس ويتخرج بأريع سنوات أو خمسة - حسب التخصص - ونكون كليتنا دفعة وحدة ، ونسوي حفلة تخرج !
.
.
ما راح أقدر ارجع أعيش هناك ، أتكلم مع الناس ، أقعد بالحديقة بالليل ، وأروح لراس الشارع أشتري صمون ..بعد ما أقدر أروح وأركب الباصات ، وأشوف الشوارع العدلة ، ولا البنايات اللي مكتوب عليها (الله أكبر) .. وأروح الشورجة ، ولا أقدر أروح أشتري حذاء من المنصور وآكل موطة من الرواد !!
.
.
كليتها راحت ..راحت من الوجود .. ومن حياتي التي لم توجد أصلاً ..
.
توفيت جدتي أيضاً ، والتي كانت في آخر أيامها ترا الجنود الامريكان وتقول بلهجتها الراوية الحنينة : ها البريطانيين هنا ؟؟
.
.
عودة منها إلى تاريخ العراق القديم ، دون أن تدري أن هذه هي الحقيقة ، وأن التاريخ يعيد نفسه ..أقاربنا تهجولوا في بقاع الأرض ، ومن بقي فهو محاصر في بيته ..تناثر العراق حول الصحن الكبير الفارغ ، بعد أن تناوله الجائعون للحضارة والعلم والأخلاق ..
.
.
أعلق في غرفتي الآن خارطة كبيرة للعراق ، كلما أدخل للغرفة أمعن النظر فيها .. أحاول حفظ جميع الأسماء المكتوبة للمناطق والاماكن ، أحاول حفظ مواقعها ، أحاول طبعها في قلبي وعقلي ..وكلما نظرت إلى الخارطة أو إلى العلم الكبير الذي يجاورها ، أشعر بالغصة ، أختنق ..
.
.
قولوا لي ..
.
.
هل أستطيع في يوم تعويض شيء ولو بسيط مما فاتني ؟؟
.
.
أم أن خط العمر لا يمضي إلا باتجاه واحد .. الأمام ؟؟